مركز الثقافة والمعارف القرآنية
418
علوم القرآن عند المفسرين
وعن أمير المؤمنين عليه السّلام قال : « لا تنقضى عجائبه ولا يشبع منه العلماء هو الذي لم تلبث الجن إذ سمعته ان قالت : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ « 1 » » . وسيأتي ان شاء اللّه عند تفسير قوله عز وجل : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا « 2 » مزيد بيان لذلك والتعرض لوجوه اعجازه بمقدار فهمي القاصر » « 3 » . قال الطبري : « . . . . لا شك أن أعلى منازل البيان درجة ، وأسنى مراتبه مرتبة ، أبلغه في حاجة المبين عن نفسه ، وأبينه عن مراد قائله ، وأقربه من فهم سامعه . فإن تجاوز ذلك المقدار ، وارتفع عن وسع الأنام ، وعجز عن أن يأتي جميع العباد ، كان حجة وعلما لرسل الواحد القهار - كما كان حجة وعلما لها إحياء الموتى وإبراء الأبرص وذوي العمى ، بارتفاع ذلك على مقادير أعلى منازل طبّ المتطببين ، وأرفع مراتب علاج المعالجين ، إلى ما يعجز عنه جميع العالمين . وكالذي كان لها حجة وعلما قطع مسافة شهرين في الليلة الواحدة ، بارتفاع ذلك عن وسع الأنام ، وتعذّر مثله على جميع العباد ، وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين ، ولليسير منه فاعلين . فإذ كان ما وصفنا من ذلك كالذي وصفنا ، فبين أن لا بيان أبين ، ولا حكمة أبلغ ، ولا منطق أعلى ، ولا كلام أشرف - من بيان ومنطق تحدّى به امرؤ قوما في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة ، وقيل الشعر والفصاحة ، والسجع والكهانة ، على كل خطيب منهم وبليغ ، وشاعر منهم وفصيح ، وكلّ ذي سجع وكهانة - فسفّه أحلامهم ، وقصّر بعقولهم ، وتبرأ من دينهم ، ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به ، والإقرار بأنه رسول إليهم من ربهم . وأخبرهم أن دلالته على صدق مقالته ، وحجّته على حقيقة نبوّته - ما أتاهم به من البيان ، والحكمة والفرقان ، بلسان مثل ألسنتهم ، ومنطق موافقة معانيه معاني منطقهم . ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عجزة ، ومن القدرة عليه نقصة . فأقرّ جميعهم بالعجز ، وأذعنوا له بالتصديق ، وشهدوا على أنفسهم بالنقص . إلا من تجاهل منهم وتعامى ، واستكبر وتعاشى ، فحاول تكلّف ما قد علم أنه عنه عاجز ، ورام ما قد
--> ( 1 ) سورة الجن : الآية 2 و 3 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 24 . ( 3 ) نفحات الرحمن ج 1 ص 2 - 3 .